في 3\7\09 يصادف الذكرى السنوية لرحيل رجل لم يغب
فهو في القلب والوجدان
انه
عبدالوهاب المسيري
البداية دمنهورية
في مدينة دمنهور الأثرية التقط المسيري أولى صور الحياة، سنة 1938 وبين حواري تلك المدينة التي تغسل رجليها في مياه البحر المتوسط وتطل بهامتها على التاريخ، خطى المسيري أولى خطواته في عالم الحياة المتناقض.
خبر المسيري حركات التحرر والوعي الإسلامي وانتقل بين الإخوان المسلمين والرفاق الماركسيين لينتهي به المطاف إلى مفكر إسلامي عملاق وإلى مفكر إنساني استطاع بكل قوة وبكل إبداع أن يستكنه عالم الصهيونية المغلق من خلال موسوعته العالمية "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد " والتي جاءت في ثمان مجلدات والتي تعتبر أهم الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين كما تعتبر كذلك من أهم الدراسات المنجزة عن اليهود واليهودية في العالم لحد الآن.
المسيري لم يكتف بالموسوعة العالمية فقط وإنما أصدر عشرات الكتب والدراسات التي اهتمت بالشأن اليهودي بشكل خاص وذلك لإيمانه العميق بأن معرفة العدو تعتبر أولى خطوات النصر، وقد توالت كتب المسيري عن الصهيونية فنقرأ له ("نهاية التاريخ مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني"، و"موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية، "العنصرية الصهيونية"، و"اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع"، و"الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة" و"الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية : دراسة في الإدراك والكرامة"، و"الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية: دراسات في بعض المفاهيم الصهيونية والممارسات الإسرائيلية"/
"هجرة اليهود السوفييت: منهج في الرصد وتحليل المعلومات"، و"الجمعيات السرية في العالم"، و"أسرار العقل الصهيوني"، و"الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة "،
و"من هو اليهودي؟"، و"موسوعة تاريخ الصهيونية" (ثلاثة أجزاء)، و"اليهود في عقل هؤلاء"، و"اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية، الهدامة والسرية"، "الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى الصهيونية"، و"العنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى"، و"الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد"،
و"من الانتفاضة إلي حرب التحرير الفلسطينية: أثر الانتفاضة على الكيان الإسرائيلي"، و"انهيار إسرائيل من الداخل"، و"مقدمة لدراسة الصراع العربي ـ الإسرائيلي: جذوره ومساره"، والبروتوكولات واليهودية والصهيونية"، إضافة إلى عشرات المقالات التي تناولت الشأن الصهيوني بشكل معمق وغير مسبوق.
فارس متنوع
حقل الدراسات الصهيونية ليس الوحيد الذي فقد فارسه الأوحد، وإنما يمكن القول إن كل حقول المعرفة المعاصر قد أًصيبت بفراغ يصعب تعويضه. أهتم الدكتور المسيري كذلك بالأيديولوجيا العلمانية من خلال مختلف تمظهراتها الماركسية في السياسة أو الاجتماع أو في الحداثة وسياقاتها وأنساقها الأدبية مقدما في ذلك كما هائلا من الدراسات والبحوث المنهجية الوافية فنقرأ له في حقل الدراسات العلمانية (الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان،والعلمانية تحت المجهر،العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ،والحداثة وما بعد الحداثة).
وزيادة على ذلك حمل الدكتور المسيري بين ضلوعه قلبا خفاقا بالحب والإبداع ونفسا شاعرة تعشق الجمال وتقدسه، وقلما ناقدا يعرف كيف يتعامل مع المنتج الأدبي ومع قلق الشاعرية كيف لا وهو اللغوي المتمرس وأستاذ الأدب الإنجليزي لعدة عقود من حياته العامرة بالإبداع، ترك المسيرى عدة إعمال إبداعية شعرا ونقدا كما اهتم المسيري بنمط خاص من أنماط الكتابة الإبداعية وهو أدب الأطفال مخلدا في ذلك عديد القصص التربوية المهمة.
تجاهل متعمد
رحل المسيري بعد أن كان مؤسسة متكاملة في شخص إنسان، وكان رجلا من أهل العزم على حد تعبير العلامة القرضاوي، لكن هذه المؤسسة عانت الكثير من التهميش والمضايقة ليس على الصعيد السياسي الذي توج باعتقاله قبل فترة قليلة من وفاته على يد الأمن المصري، وإنما بشكل خاص على يد النخب العلمانية المسيطرة على مراكز الثقافة العربية،
ذلك التهميش الذي أحس به الدكتور وحز في نفسه وآلمه، أن كتبه الرائعة التي تنفد من السوق بمجرد توزيعها لا تحظى بأي اهتمام من مراكز البحث والدراسات التي يسيطر عليها الحداثيون، بينما تظل ماكينات المطابع تقذف بالغث والسمين الذي يظل في غالبه العام موجها ضد الأمة فكرا وحاضرا وثقافة.
انحاز المسيري إلى هوية أمته وحضارتها وآمن أن أولى محاولات التجديد هي قتل الماضي فهما وأن معرفة العدو أول خطوة في طريق النصر،كما وقف المسيري بجدارة ضد محاولات فصل الدين والحياة وانحاز إلى جانب الحجاب رافضا محاولات التغريب الأعمى وكاشفا عوار النظريات التغريبية التي تستظل بالتنوير والحداثة والتغيير.
كما آمن المسيري بأن مشكل العالم العربي هو في الأول والآخر مشكل الحرية والديمقراطية ليصرخ في وجه الطغيان وبصوت وقور صارم " كفاية .. كفاية " وانحاز إلى الشارع حاملا همومه وآماله وآلامه، لينقذ بذلك حركة الثورة الشعبية "كفاية" من العديد من الهزات التي كادت أن تعصف بها نتيجة الصراع بين قياداتها لكنه وبأبوة المفكر قاد المسيرة ووجه التيار لتشهد له الجماهير العربية في رحلته في قطار الحياة أنه ختم حياته مناضلا من أجل الحرية ومنافحا عن العدالة ومبشرا بغد أفضل لامكان فيه للاستبداد والتأله السياسي أو الثقافي أو الإيديولوجي.
أقدام خالدة
وكحلقة طبيعية من صراع القلم مع السيف السياسي وجد الدكتور المسيري مقعده في معتقلات النظام المصري الحالي، رغم تقدم سنه ومكانته العلمية والجماهيرية، لكن الاستبداد كان ولا يزال عدوا للقلم الحر والفكر الراشد.
رحم الله المسيري وألهم الأمة بعده الصبر على مصيبتها، فقد أنهد ركن عظيم من أركان الفكر وفقدت الأمة جدار صلبا من جدران الممانعة، وفقد النظام المصري كذلك صوتا مهما من أصوات الرفض التي كانت تؤرقه وتغض مضجعه.
رحم الله المسيري، أبى إلا أن يقود المسيرة وأن يقود النخبة لكن هذه المرة عندما توقفت المسيرة عند حافة القبر لتعود الجماهير وهي تحمل لواء المسيرة الخالدة وتواصل مشوار الرجل الأمة. رحم الله المسيري حفر أقدامه في الذاكرة المعاصرة وترك بصماته على العالم العربي بصمات تعكس التميز والإبداع والرفض والممانعة.


رد مع اقتباس






مواقع النشر (المفضلة)